أكد سفير الهند محمد نور رحمن شيخ أن “الجالية الهندية في لبنان والتي يبلغ عدد أفرادها نحو 2000 شخص، تواصل لعب دور حيوي في تعزيز الروابط بين البلدين”.
وكتب بمناسبة العيد الوطني لبلاده: “في السادس والعشرين من كانون الثاني من كل عام، تحتفل الهند بيوم جمهوريتها، إحياءً للذكرى التي دخل فيها دستور الهند حيّز التنفيذ عام 1950، لتصبح البلاد رسمياً جمهورية ديمقراطية علمانية ذات سيادة. وقد أُقرّ الدستور بعد أكثر بقليل من عامين على الاستقلال عام 1947، وصيغ تحت القيادة الرؤيوية للدكتور ب. ر. أمبيدكار، مُكرِّساً القيم الخالدة للعدالة والحرية والمساواة والأخوّة. وبالنسبة للهند، لا يُعدّ يوم الجمهورية مجرد مناسبة تاريخية، بل هو تأكيد حيّ ومتجدد على الحكم الديمقراطي، والتعددية، وسيادة القانون.
هذه المبادئ تلقى صدىً عميقاً في لبنان، البلد الذي يتمتع بتقاليد برلمانية عريقة، وإرث حضاري غني، ونسيج اجتماعي متنوع يقوم على الحوار والتعايش. وكما هو حال الهند، يُجسّد لبنان التعددية باعتبارها مصدر قوة لا تحدّياً، ويُدرك المجتمعان معاً قيمة الشمولية، والنقاش، والنظام الدستوري.
اليوم، تقف الهند كأكبر ديمقراطية في العالم، تمثل سدس البشرية. وهي رابع أكبر اقتصاد عالمي، ومن بين أسرع الاقتصادات الكبرى نمواً، مدفوعة بالابتكار وريادة الأعمال والبنية التحتية الرقمية العامة. كما تُعدّ الهند صوتاً رائداً لدول الجنوب العالمي، وأحد أكبر المساهمين في عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، بما يعكس التزامها الراسخ بالتعددية والتعاون الدولي والسلام العالمي.
وفي هذا السياق العالمي، واصلت العلاقات الهندية – اللبنانية نموها بثبات وبصورة إيجابية. ويصادف هذا العام الذكرى الثانية والسبعين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، حيث افتتحت الهند سفارتها في بيروت عام 1954. وقد حافظت الهند على حضورها الدبلوماسي في لبنان دون انقطاع، ووقفت دائماً إلى جانب الشعب اللبناني في مختلف مراحل تاريخه. وشهدت العلاقات تبادلاً منتظماً للرسائل بين فخامة رئيسة الهند السيدة دروبادي مورمو وفخامة رئيس الجمهورية اللبنانية العماد جوزاف عون؛ وبين العماد عون ودولة رئيس الوزراء الهندي شري ناريندرا مودي؛ وبين دولة رئيس الوزراء شري ناريندرا مودي ودولة رئيس مجلس الوزراء اللبناني الدكتور نواف سلام؛ وبين رئيس مجلس النواب الهندي السيد أوم بيرلا ودولة رئيس مجلس النواب اللبناني الأستاذ نبيه بري؛ وكذلك بين وزير الشؤون الخارجية الهندي الدكتور إس. جايشانكار ووزير الخارجية اللبناني السفير يوسف رجي، وكل ذلك بروح من الأمل بالسلام والاستقرار والازدهار للبنان. كما تعزز التعاون البرلماني من خلال لجنة الصداقة البرلمانية اللبنانية – الهندية برئاسة النائب علي عسيران عن الجانب اللبناني.
ويُشكّل إسهام الهند الطويل الأمد في دعم السلام والاستقرار في لبنان إحدى ركائز العلاقة الثنائية. فقد كانت الهند من أبرز الدول المساهمة بقوات في قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) على مدى السنوات الثماني والعشرين الماضية، مع وجود كتيبة من الجيش الهندي منتشرة حالياً في جنوب لبنان. ويحظى حفظة السلام الهنود باحترام واسع لما يتمتعون به من احترافية وانضباط وتواصل وثيق مع المجتمعات المحلية، تجسيداً لإيمان الهند الثابت بمبادئ ومقاصد الأمم المتحدة.
كما أن شراكة الهند مع لبنان ذات طابع إنساني وشعبي بامتياز. فمن خلال مشاريع الأثر السريع، تواصل الهند دعم مبادرات التنمية المجتمعية، بما في ذلك ترميم مرافق استشفائية ورياضية، وإنشاء مختبرات معلوماتية، وتنفيذ مشاريع إنارة شوارع بالطاقة الشمسية. ومؤخراً جداً، في 21 كانون الثاني 2026، وقّعتُ مع معالي وزيرة الشباب والرياضة الدكتورة نورا بيرقداريان، نيابةً عن حكومة الهند، اتفاقية تعاون ثنائية تساهم بموجبها الهند في إعادة تأهيل منشآت رياضية في لبنان، تعبيراً عن روح التضامن والدعم بين البلدين.
وتُضفي الروابط الثقافية عمقاً خاصاً على هذه العلاقة. فقد شكّل نصب تمثال نصفي للشاعر الهندي الحائز جائزة نوبل رابندرانات طاغور، استناداً إلى لوحة بورتريه رسمها صديقه المقرّب جبران خليل جبران، في مجمّع متحف جبران في بشري في أيلول من العام الماضي، رمزاً للتقاليد الفكرية والإنسانية المشتركة التي تربط الهند ولبنان.
وتحظى اليوغا والآيورفيدا بشعبية واسعة في لبنان، كما يسافر العديد من اللبنانيين إلى الهند لاكتساب معرفة وتجربة أعمق في هذين المجالين. ونعمل أيضاً على استئناف الرحلات الجوية المباشرة بين الهند ولبنان لتعزيز حركة الزيارات المتبادلة.
وعلى الصعيد الاقتصادي، يبلغ حجم التبادل التجاري الثنائي نحو 600 مليون دولار أميركي، مع وجود آفاق واسعة للتوسع. وترحب الهند بزيادة الصادرات اللبنانية وتعميق التعاون في قطاعات مثل الصناعات الدوائية، وتكنولوجيا المعلومات، والتعليم، والرعاية الصحية، والصناعات الغذائية، والخدمات. ومع تعزيز التعاون بين مجتمعي الأعمال في البلدين، يمكن للتبادل التجاري أن يصل بثقة إلى مليار دولار أميركي في السنوات المقبلة.
ويُعدّ بناء القدرات ركيزة أساسية أخرى للتعاون. ففي إطار برنامج التعاون التقني والاقتصادي الهندي (ITEC)، توفر الهند 75 منحة تدريبية ممولة بالكامل سنوياً للمهنيين اللبنانيين من القطاعين العام والخاص، استثماراً في المهارات والمعرفة والشراكة طويلة الأمد.
أما الجالية الهندية في لبنان، التي يبلغ عدد أفرادها نحو 2000 شخص، فتواصل لعب دور حيوي في تعزيز الروابط بين بلدينا. فكل فرد من هذه الجالية النشطة يُعدّ سفيراً للهند، ينقل ثقافتنا وقيمنا وروح المبادرة لدينا إلى المجتمع اللبناني. وتبقى السفارة الهندية على تواصل وثيق مع أبناء الجالية، دعماً لهم وتيسيراً لمساهماتهم في المجتمع اللبناني وتعزيزاً للعلاقات الهندية – اللبنانية.
وبينما تحتفل الهند بالذكرى السابعة والسبعين ليوم جمهوريتها، فإنها تستلهم فلسفة «فاسودهايفا كوتومباكام» التي تعني: «العالم أسرة واحدة». وهذه القيمة تجد صداها الطبيعي في تقاليد لبنان القائمة على الضيافة والانفتاح والتبادل الثقافي. وانطلاقاً من القيم الدستورية، وتعزيزاً لشراكة راسخة مع لبنان، تنظر الهند إلى المستقبل بثقة، ملتزمة بتعاون أعمق، وتعددية قوية، وعالم أكثر سلاماً وشمولاً وازدهاراً”
